المعلومات غير متوفرة

الصفحة الرئيسية / نشاطات مصورة / المخيّم.. بين سياسة التهميش والعبث والتوظيف!


بقلم: مروان عبد العال
المخيّم.. بين سياسة التهميش والعبث والتوظيف!
26-01-2019
Print View إضافة تعليق على الموضوع أرسل لصديق
  389 مشاهدة للخبر
الأحداث المتنقلة من مكان الى آخر ومن مخيم إلى حاراته، والفضيحة أننا نتحدث وكأنّ "أم المعارك" تجري بمختلف الاسلحة في زاروب ضيّق وعن هدنة بين حارتين، أو تثبيت وقف إطلاق نار في قلب مخيم، والأنكى من ذلك الاستهتار الوقح بأمن الناس وحياتهم ودمائهم، والخسائر المادية والمعنوية، والكلفة الاخلاقية والسياسية العالية. ومن السطحية تلخيص ما يجري على أنه مجرّد صدفة، و"بلطجة"، أو أحداث فردية لا رابط بينها ولا توقيت يجمعها.

نتحدث عن ظاهرة نشأت وتكوّنت في بيئة خاصة بها وتفاعلت فيها عناصر ثلاثة: واقع اجتماعي مهترئ، سلاح متفلّت، وتوظيف سياسي مقيت. عوامل لا يمكن فصلها عن علاقتها بالمرحلة، ترافقها آفات اجتماعية بهدف إنهاك المجتمع، وتشويه الهوية الوطنية وتشتيت المخيمات، لتجعلها عنصراً نابذاً لأبنائها وفزّاعة لمحيطها، وبذلك تتبدل رمزيتها من عنوان لقضية وطنية، إلى قضية أمنية لا يحتملها أحد. الحس السياسي الصحيح والبسيط والجريء، يبدأ من المقدمات التي انتجت هذا المشهد الدراماتيكي، ويتوقف عند المسؤولية الذاتية التي هي حُكماً من صنع أيدينا. فسياسة اللاسياسة أو السياسة القاصرة أو سياسة التهميش أو الإغلاق أو التمييز، أدت الى إخراج المجتمع الفلسطيني من دائرة الحياة، سواء بارتفاع معدلات البطالة أو العيش تحت خط الفقر، ونشوء الظواهر المرضيّة ونموها، لتصف المخيم بالبؤرة الخارجة عن القانون، علماً أنه ضحية واقعة بين سندان سياسة التهميش والتقليص والقهر من جهة، ومطرقة العبث والفلتان والعنف المعيب والمدان من جهة ثانية.

إن جدية الحل تبدأ بالسؤال المحوري: هل نريد المخيم في نطاق القانون أم خارجه؟

إن عملية الضبط الاجتماعي، وتنظيم حياة الناس ومصالحهم، وتحقيق السيادة والعدالة، تحتاج الى سلطة القانون، وعبر الانضباط بالقواعد والأحكام الموجبة التي تراعي المصلحة الفردية والوطنية. لكن من دون إغفال البعد السياسي للقانون، أي الإحاطة بالجذر السياسي للظاهرة القائمة التي تقول إن الوجود الفلسطيني في لبنان مؤقت وقسري، وهو يمتلك خصوصية ليست مفتعلة، بل خلقتها معاناة مثلثة الأضلاع، اقتصادية وسياسية وأمنية، وهو ضحية غير مسؤولة مباشرة عن لجوئها الذي طال أمده، ونتيجة الفشل السياسي بعدم تحقيق حقوقه الوطنية وحقه في العودة. وأيضاً ضحية التقصير الدولي كتراجع خدمات "الاونروا" وتهديد مستقبلها، وضحيّة لسياسة الإغلاق اللبنانية، لأنه لا ينبغي التذرّع بالحالة الامنية للتهرّب من الاستحقاقات الانسانية، لا بد من سياسة واضحة يشار لها في نص البيان الوزاري، أو على الاقل عبر إقرار توصيات لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني بهذا الشأن، كإشارة إيجابية تمهد الطريق لتنفيذ توجهات متخذة.

إن إنهاء الظواهر الشاذة والمنفلتة يتطلب إنهاء البيئة السلبية التي انتجتها، وهذا يبدأ بالقانون بوجهيه الحقوق والواجبات، لأن الاعتراف بمفهوم الواجب يسبق مفهوم الحق. الواجب واجب وليس حواراً ولا خياراً، بل هو تقدير للذات وللآخر. موجبات احترام التوازن بين الحقوق والواجبات اساسية، ولا يمكن تالياً فصلهما. فهو علاقة بين الذات والموضوع، وهو بمثابة اعتراف بإنسانية الآخر، والاقرار بأنها جماعة استثنائية وأن لها خصوصية. كيف يتم تأكيد عدالة القضية ونفي العدالة عن أبنائها؟!

تعزيز شروط الأمن الانساني ليصبح حاجة عامة وللوجود الفلسطيني في لبنان خصوصاً في المخيمات وخارجها يحتاج إلى العلاقة الاجتماعية والحياة المدنية والانسانية، والتواصل مع الآخرين من دون حواجز أو عقبات أو ثقافات عصبوية أو طائفية، وله حاجات نفسية، وتعليمية، وطبية وصحية، واجتماعية وسياسية بما فيه التوجّس القلق على مستقبله السياسي، لأنه جزء أصيل من المشروع الوطني الفلسطيني والمكّون الأصلي للقضية الفلسطينية. هذا المستقبل ليس خارج الهَمّ الفلسطيني، وبخاصة لدى جيل الشباب الذي يمثل العمود الفقري للمخيمات، الذي ينظر بعين الريبة إلى وجوده السياسي، أي فقدان الحس بالأمن الانساني أيضاً. وهنا تكمن إحدى مفردات الخصوصية الفلسطينية المبنية على ذهنية الاقتلاع والخشية من المقبل، فلا يمكن تحقيق القانون كتعبير عن تحقيق العدالة والسيادة عبر استخدام تشريعات وإجراءات تجعله خارج القانون أو انساناً غير مرغوب فيه، وهو

يتذوّق يومياً مرارة لقمة العيش والتنقل والعمل والسكن وإدخال مواد البناء، مما يؤدي إلى تنامي الشعور بالاضطهاد!

يعرف الاستراتيجيّون أن مفهوم الأمن متعدد، واختلاف أركانه يجعل النظر إليه كأمن شامل، وليس كقضية أحادية، والأمن مصلحة عليا وفردية وجماعية، ولا يمكن أن يتجزأ. هدفه تحقيق الشعور بالأمان، ويتمّ عبر تحسين شروط الحياة الاجتماعية والإنسانية للفلسطينيين في لبنان، وعدم معاندة الواجبات الموضوعية للدولة اللبنانية إزاء الوجود الفلسطيني.

مسؤولية القيادة السياسية الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني تتوقف عند القدرة على القيام بأدوار ووظائف متعددة، تشمل جميع النواحي المتصلة بالحياة، وتمتين الروابط الاجتماعية، وإدارة شؤون الناس بالعلاقة مع الاطراف كافة، فيما الدور السياسي هو الأكثر أهمية في هذا المجال. وأن تمارس السياسة، وليس مسمّيات السياسة، في خلق التنافس والتنافر والكسب الفئوي على حساب أمن المجتمع وحياته.

واجبات السياسة الصائبة ضبط التغيير المتواصل في بنية المخيمات وتكوينها الاجتماعي والمدني، وأن يستند فعلها إلى مؤسسات وتنظيمات تمتلك وعياً قانونياً وثقافياً واجتماعياً مؤهلاً لهذه العملية، يكون قادراً على تحريك المجتمع وتنشيطه، بتأطير نمط العلاقة بين هذه التنظيمات والمؤسسات والأفراد.

وبذلك يمكن أن يكون للمجتمع دور في حماية ذاته ولفظ الشوائب، وعزل الحالات الشاذة وأدوات التخريب، وتحصين الأفراد ضد سطوة الافكار المدمّرة، ووضع حد للمخلّين بالأمن واصحاب السوابق والأجندات الخارجية بالتعاون الوثيق مع الدولة اللبنانية، ودفعها للقيام بمسؤولياتها من دون تراخٍ أو اهمال، للتخفيف من مخاطر الاضطرابات الاجتماعية العنيفة. من هنا تتحقق الوظيفة التعبيرية للمرجعية السياسية بالفعل وليس بالقول، ومن مدخل تمثيلها لمصالح شعبها والتماثل مع غايات الناس، وتتيح لهم المشاركة لتحقيق ذاتهم، والدفاع عن حقوقهم وقضاياهم . للعمل الجماعي دور التنظيم المجتمعي الذي لا يستهان به، كالمبادرات الذاتية، المستندة الى صياغة تنظيمية وشعبية خلاّقة تؤدي إلى الإرتقاء بالوعي السياسي وبالثقافة السياسية وإلى المشاركة الجادة في صناعة القرار السياسي، فيفضي هذا التفاعل المجتمعي تالياً إلى النهوض بدور فاعل ومهم في عملية الحماية الذاتية.

الكبت الثلاثي: انعدام الأمن الاجتماعي، وفوضى السلاح وعشوائيته، والقلق السياسي، يصبّ بمجمله في طاحونة العنف، وضمن لعبة خطيرة لتحقيق مكاسب إثبات العلاقة وفكها بين الوسائل والأهداف وبأدوات ما دون السياسية! لقد بات التساؤل المُلّح - بصوت مرتفع أو خافت - ما قيمة السلاح خارج هذه "الوطنية؟!". ما جدوى الدفاع عن قضية عادلة خارج سلاح الوعي، علماً أن انهاك الحالة الوطنية يحوّلنا إلى اشياء واشكال منغلقة ومفتتة ومنعزلة، أسهمت في ظهور حالات إرهابية مغلقة، استهدفت اغتيال الفكرة الوطنية. ورُبّ قائل "إن القوة الوحشية لا يمكنها أن تتغلّ ب على الأفكار إلا إذا رضخت لها الأفكار".

إن جذرية الحل البعيد المدى يكون من مدخل السياسة، وإن السلاح العشوائي والاختلال الأمني يشكلان الدليل، ولكن ليس الوحيد لتفسير ظاهرة العنف التي تمتلك بُعداً اجتماعياً وسياسياً لا ينفصل عن البُعد النفسي. إن مفتاح إنهاء العنف يستند إلى تنمية اجتماعية وإزالة مسبّبات غياب القانون وفقدان العدالة.

المصدر: بوابة الهدف

مسؤول الجبهة الشعبية في لبنان  

لا يوجد تعليقات على هذا الموضوع
أضغط هنا لأضافة تعليق.
New Page 1